ابن سبعين

93

رسائل ابن سبعين

--> فكل من شطح فعن غفلة شطح ، وما رأينا ولا سمعنا عن ولي ظهر منه شطح لرعونة نفس وهو ولي عند اللّه إلا ولا بدّ أن يفتقر ويذل ويعود إلى أصله ، ويزول عنه ذلك الزهو الذي كان يصول به . فذلك لسان حال الشطح . هذا إذا كان بحق فهو مذموم ، فكيف لو صدر من كاذب ؟ فإن قيل : وكيف صورة الكاذب في الشطح مع وجود الفعل والأثر منه ؟ قلنا : نعم ما سألت عنه ، فأما صورة الكاذب في ذلك ، فإن أهل اللّه ما يؤثرون إلا بالحال الصادق إذا كانوا أهل اللّه ، وذلك المسمّى شطحا عندهم حيث لم يقترن به أمر إلهي أمر به كما تحقق ذلك من الأنبياء عليهم السلام . فمن الناس من يكون عالما بخواص الأسماء فيظهر بها الآثار العجيبة والانفعالات الصحيحة ، ولا يقول إن ذلك عن أسماء عنده ، وإنما يظهر ذلك عند الحاضرين أنه من قوة الحال ، والمكانة عند اللّه والولاية الصادقة ، وهو كاذب في هذا كله . وهذا لا يسمّى شطحا ولا صاحبه شاطحا ، بل هو كذب محض ممقوت . فالشطح : كلمة صادقة صادرة عن رعونة نفس عليها بقية طبع تشهد لصاحبها ببعده من اللّه في تلك الحال ، وهذا القدر كاف في معرفة حال الشطح . وقال قدّس سرّه في الجزء الأول من فتوحاته في الباب التاسع والثلاثين : حكي عن بعضهم أنه قال : أقعد على البساط . يريد بساط العبادة . وإياك والانبساط : أي التزم ما تعطيه حقيقة العبودية من حيث أنها مكلفة بأمور حدّها لها سيدها ، فإنه لولا تلك الأمور لاقتضى مقامها الإدلال والمفخر والزهو من أجل مقام من هو عبد له ومنزلته ، كما زها يوما عتبة الغلام وافتخر فقيل له : ما هذا الزهو الذي نراه في شمائلك مما لم يكن يعرف قبل ذلك منك ؟ فقال : وكيف لا أزهو وقد أصبح لي مولى وأصبحت له عبدا . فما قبض العبيد عن الإدلال ، وأن يكونوا في الدنيا مثلما هم في الآخرة ، إلا التكليف فهم في شغل بأوامر سيدهم إلى أن يفرغوا منها فإذا لم يبق لهم شغل قاموا في مقام الإدلال الذي تقتضيه العبودية ، وذلك لا يكون إلا في الدار الآخرة ، فإن التكليف لهم مع الأنفاس في الدار الدنيا . فكل صاحب إدلال في هذه الدار فقد نقص من المعرفة باللّه على قدر إدلاله ، ولا يبلغ درجة غيره ممن ليس له إدلال أبدا ، فإنه فاتته أنفاس كثيرة في حال إدلاله غاب عما يجب عليه فيها من التكليف الذي يناقض الاشتغال به والإدلال ، فليست الدنيا بدار إدلال . ألا ترى عبد القادر الجيلي مع إدلاله لما حضرته الوفاة وبقي عليه من أنفاسه في هذه الدار ذلك القدر الزماني ، وضع خده في الأرض ، واعترف بأن الذي هو فيه الآن هو الحق الذي ينبغي أن يكون العبد عليه في هذه الدار ؟ وسبب ذلك أنه كان في أوقات صاحب إدلال لما كان الحق يعرفه به من حوادث الأكوان . وعصم اللّه أبا السعود تلميذه من ذلك الإدلال فلازم العبودية المطلقة مع الأنفاس إلى حين موته ، فما حكي أنه تغيّر عليه الحال عند موته كما تغيّر على شيخه عبد القادر .